أبو البركات بن الأنباري

27

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

أراد « ألم يأتك » فأشبع الكسرة فنشأت الياء . وإشباع الحركات حتى تنشأ عنها هذه الحروف كثير في كلامهم « 1 » ، فكذلك هاهنا . وهذا القول ظاهر الفساد ؛ لأن إشباع الحركات إنما يكون في ضرورة الشعر كما أنشدوه من الأبيات ، وأما في حال اختيار الكلام فلا يجوز ذلك بالإجماع ، وهاهنا بالإجماع تقول في حال الاختيار : هذا أبوك ، ورأيت أباك ، ومررت بأبيك ؛ وكذلك سائرها ، فدلّ على أنها ليست للإشباع عن الحركات ، وأن الحركات ليست للإعراب ، على ما سنبين في الجواب عن كلمات الكوفيين . أما الجواب عن كلمات الكوفيّين : أما قولهم « إن هذه الحركات تكون حركات إعراب في حال الإفراد فكذلك في حال الإضافة » قلنا : هذا فاسد ؛ لأن حرف الإعراب في حال الإفراد هو الباء ؛ لأن اللام التي هي الواو من « أبو » لما حذفت من آخر الكلمة صارت العين التي هي الباء بمنزلة اللام في كونها آخر الكلمة ؛ فكانت الحركات عليها حركات إعراب ، فأما في حال الإضافة فحرف الإعراب هو حرف العلة ؛ لأنهم لما أرادوا أن يجعلوا اختلاف الحروف بمنزلة اختلاف الحركات ردّوا اللام في الإضافة ؛ ليدلوا على أن من شأنهم الإعراب بالحروف توطئة لما يأتي من باب التثنية والجمع ، وإذا كان حرف الإعراب هو حرف العلّة لم تكن هذه الحركات على الباء في حال الإضافة حركات إعراب ؛ لأن حركات الإعراب لا تكون في حشو الكلمة ، وصار هذا بمنزلة تاء التأنيث إذا

--> ( 1 ) وربما عكسوا ذلك ، فقطعوا المدة وحذفوا حرف العلة اكتفاء بالحركة المناسبة له ، ومن ذلك ما أنشده سيبويه ( 1 / 9 ) : كنواح ريش حمامة نجدية * ومسحت باللثتين عصف الإثمد فإنه أراد أن يقول « كنواحي ريش حمامة » فحذف الياء اعتمادا على الكسرة التي قبلها أن تدل عليها ، ومثل قول الشاعر ، وهو من شواهد الأشموني ( رقم 18 ) : في كلت رجليها سلامي واحده * كلتاهما قد قرنت بزائده فإنه أراد أن يقول « في كلتا رجليها » فحذف الألف ، واكتفى بالفتحة التي قبلها أن تكون مرشدا إليها ، وقد أنشد المؤلف هذا البيت لما قلنا في المسألة ( رقم 62 ) وذكر معه نظائر ، وأعاده مع أمثاله في المسألة ( رقم 72 ) فارتقب ما يجيء هناك .